ثلاثة عشر عاماً، وثلاثة أحكام، لا مدفوعات: تشريح ملف يضع دولة القانون الموريتانية في مواجهة نفسها | موريويب

ثلاثة عشر عاماً، وثلاثة أحكام، لا مدفوعات: تشريح ملف يضع دولة القانون الموريتانية في مواجهة نفسها

سبت, 08/22/2026 - 22:19

كنا قد أوردنا، في عددنا السابق، أن طلب فتوى غير مألوف أُودع يوم 6 أغسطس لدى المجلس الأعلى للفتوى والمظالم. ووعدنا بأن ننشر ما سنتوصل إلى إثباته، وثيقةً بعد أخرى. وقد عثرنا على الملف. وها نحن نرويه كما ينبغي: الوقائع أولاً، والخطابات بعد ذلك. فهذا أكثر نزاهة، لكنه أيضاً أشد قسوة.

**الوقائع، ولا شيء غير الوقائع**

يناير 2013: توقيع عقد لتفويض تسيير مرفق عام مع إحدى كبريات الهيئات العمومية في العاصمة. وبعد تسعة عشر شهراً، وتحديداً في أغسطس 2014، أقدمت الهيئة على فسخ العقد من جانب واحد.

فعل صاحب التفويض ما تطلبه الدولة من كل مواطن: لم يصرخ، ولم يعطل شيئاً، بل لجأ إلى القضاء. فصدر الحكم لصالحه ابتدائياً سنة 2015. استأنفت الهيئة الحكم، فانتصر عليها مجدداً سنة 2018. ثم طعنت بالنقض، غير أن المحكمة العليا رفضت طعنها سنة 2020.

ثلاث درجات للتقاضي، وثلاثة أحكام متطابقة، ودَين ثابت ونهائي. لقد قال القانون الموريتاني كلمته، وفق الإجراءات القانونية، وحتى آخر مراحل التقاضي.

ثم لم يحدث شيء. لم يُدفع فلس واحد.

وبينما كانت السنوات تمر، فعل الدائن الشيء الوحيد الذي أتاحه له القانون: انتظر، وكتب، وذكّر، وكرر المطالبة. لقد انقضت ثلاثة عشر عاماً منذ توقيع العقد. و الطفل الذي وُلد في تلك السنة أصبح اليوم مراهقاً، أما الدَّين فما يزال ينتظر.

**ما كانت الإدارة تعلمه ثم تجاهلته**

أكدت أبحاثنا التفصيل الذي كنا نسعى إلى التحقق منه منذ نشر مقالنا الأول: لقد سبق للمجلس الأعلى للفتوى والمظالم أن نظر في هذا الملف. و في رسالتين، صدرت أولاهما في مارس والثانية في مايو 2020، خلص المجلس إلى وجوب تسديد الدَّين.

بل إن قمة هرم الدولة نفسها كانت قد اتخذت موقفاً في القضية. ففي الأول من يونيو 2020، وجّه مدير ديوان رئيس الجمهورية رسالة إلى وزير المالية يأمره فيها بتنفيذ الحكم.

احتفظوا جيداً بهذا التاريخ وبهذه الرسالة، فهما مفتاح كل ما سيأتي لاحقاً.

دَين نهائي، و رأي صادر عن المجلس الأعلى، وتوجيه صادر عن رئاسة الجمهورية. كل شيء كان يقود إلى الدفع، لكن شيئاً لم يُدفع.

**انقلاب موقف وزير العدل**

في 2 إبريل 2026، وجّه وزير العدل رسالة إلى المدعي العام لدى المحكمة العليا. وفي 6 إبريل، تقدم الأخير بـ«طعن لمصلحة القانون»، استناداً إلى المادة 231 من قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية.

وقد أصبح قراؤنا يعرفون هذه الآلية: فهي تتيح طلب إلغاء حكم قضائي، مهما مضى على صدوره من وقت، حتى وإن كان نهائياً، وبأثر يسري في مواجهة الجميع، بمن فيهم الطرف الذي كسب القضية.

وفي 6 يوليو 2026، أصدرت المحكمة العليا القرار رقم 69/2026، فنقضت الحكم الاستئنافي الصادر سنة 2018، وأحالت القضية إلى محكمة مشكلة بهيئة مغايرة. أما الدفع بعدم دستورية هذه الآلية، الذي أثاره الدائن، فقد جرى استبعاده من دون مناقشته.

وهكذا، فإن ما عرضه مقالنا السابق باعتباره احتمالاً قد وقع بالفعل: إحدى عشرة سنة من الإجراءات القضائية مُحيت برسالة واحدة.

و لندرك جيداً دلالة ذلك: لم يكن قاضٍ هو من شكك في الدَّين. ولم يجد أي قاضٍ، عبر درجات التقاضي الثلاث، ما يطعن في ثبوته. بل إن الإدارة هي التي غيّرت موقفها بعد اثني عشر عاماً من توقيع العقد، وبعد ست سنوات من صدور الحكم النهائي، ثم وجدت المادة القانونية التي مكّنتها من تحويل هذا التراجع إلى قرار بالنقض.

**مرآة قادمة من الخارج**

ثمة عنصر آخر يجعل هذا الانقلاب أكثر غرابة. ففي 10 أكتوبر 2025، منح مجلس الدولة الفرنسي، وهو أعلى هيئة قضائية إدارية في فرنسا، الصيغة التنفيذية للأحكام الموريتانية الصادرة في هذا الملف. وقد تحقق من سلامتها، ومن احترام مبدأ الوجاهية، ومن توافقها مع النظام العام، ثم أعلن قابليتها للتنفيذ في فرنسا.

إنها مفارقة تستحق أن تُكتب ببطء: هيئة قضائية أجنبية من أعلى مستوى تشهد بجودة عمل القضاة الموريتانيين، وبعد ستة أشهر فقط، تنجح إدارة موريتانية في إبطال ذلك العمل نفسه.

باريس تكرّس صدقية القضاء الموريتاني، في اللحظة ذاتها التي تبدأ فيها رسالة وزارية بتفكيك هذه الصدقية في نواكشوط.

 

**رئيس أراد دولة القانون وأثبت ذلك بالأفعال**

فهنا تحديداً يتحول الملف إلى قضية دولة، لأن كل ما جرى لم يحدث في فراغ مؤسسي، بل وقع في بلد جعل أعلى مسؤول فيه من دولة القانون محوراً أساسياً في أسلوب حكمه. وعلى خلاف كثير من الشعارات التي ظلت حبراً على ورق في أماكن أخرى، فقد أعقبت الأقوال هنا أفعال ملموسة.

منذ سنة 2019، أطلق الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عملية إصلاح منهجية لجهاز الدولة، في إطار الاستراتيجية الوطنية للنمو المتسارع والرفاه المشترك.

و في يناير 2023، جمعت المنتديات العامة حول العدالة القضاة والمحامين وممثلي المجتمع المدني، بهدف تحديث الجهاز القضائي وتعزيز استقلاليته.

وفي إبريل 2023، أنشأت الدولة الوكالة القضائية للدولة، وهي هيئة حدد وزير المالية مهمتها علناً وبوضوح: توحيد إدارة منازعات الدولة، والسهر على تنفيذ الإدارة للأحكام القضائية الصادرة ضدها.

ولنتأمل الأمر للحظة: أن تنشئ الدولة، بإرادتها، جهازاً مكلفاً بإلزامها بتسديد المبالغ المحكوم بها عليها، **فتلك هي بالضبط علامة الإرادة الحقيقية في بناء دولة القانون.**

و في هذه الحالة تحديداً، تم التعبير عن هذه النية بوضوح تام: فقد صدر التوجيه في الأول من يونيو 2020، الذي يأمر بتنفيذ الحكم، من ديوان الرئيس. وكان التوجيه واضحاً من أعلى الهرم: الدفع، التنفيذ، احترام الحكم.

وقد كرر رئيس الجمهورية، سواء من على منبر الأمم المتحدة أو في المحافل الدولية، أن **لا أحد فوق القانون.**

**إدارة ووزير للعدل يسيران عكس توجه رئيس الجمهورية**

إذن، لا تكمن المشكلة في أعلى الهرم، بل في ما دونها.

فلنعد قراءة التسلسل الزمني من هذه الزاوية، وستتضح الصورة كاملة.

تأمر رئاسة الجمهورية بتنفيذ الحكم في يونيو 2020، فلا تدفع المصالح المعنية. ويخلص المجلس الأعلى، مرتين، إلى وجوب تسديد الدَّين، فلا تدفع المصالح المعنية.

وتُنشأ الوكالة القضائية للدولة لضمان تنفيذ الأحكام، لكن آلة الدولة القضائية تُسخّر، في هذا الملف، لا من أجل التنفيذ، بل من أجل المحو.

وأخيراً، في إبريل 2026، تؤدي رسالة صادرة عن وزير العدل إلى إبطال حكم ظل نهائياً طوال ست سنوات.

في كل مرحلة، لم تكن التوجيهات الرئاسية هي الناقصة، بل إن الذين كان عليهم تنفيذها فعلوا العكس تماماً.

ظل توجيه ديوان رئيس الجمهورية حبراً على ورق بين أيدي الجهات التي وُجّه إليها.

وتحوّلت الوكالة التي أُنشئت لتكون أداةً لضبط الإدارة وإلزامها باحترام الأحكام إلى درع مالي يحميها من التنفيذ.

كما فُعّلت آلية المادة 231 من طرف وزير العدل، من دون أن يتضمن الملف ما يدل على أن هذا الهجوم على حجية الشيء المقضي به يعكس إرادة رئيس الجمهورية.

هذا هو الخلل الذي تكشفه هذه الوثائق. ليس دولة ترفض القانون، بل قمة ترغب فيه وسلسلة إدارية تعمل على إلغائه.

لقد أيّد مجلس الدولة الفرنسي قرار القضاة الموريتانيين. وأمرت الرئاسة بالدفع. وفي غضون ذلك، التزمت جهات مختلفة الصمت لمدة ست سنوات، وفي النهاية، تم محو الحكم نفسه.

**ما الذي يقوله هذا الملف لكل واحد منا؟**

أصبح من السهل الآن أن نفهم لماذا لجأ متقاضٍ أنهكته السنوات إلى العلماء.

لقد آمن بالمحاكم، فكسب القضية ثلاث مرات. وآمن بالمؤسسات، فأعطاه المجلس الأعلى الحق. وآمن بقمة الدولة، فأمرت رئاسة الجمهورية بأن يُدفع له حقه.

كل شيء أنصفه، لكنه لم يحصل على شيء.

وعندما تُستنفد جميع طرق القانون الوضعي من دون نتيجة، لا يبقى سوى القانون الذي سبق المدوّنات: **ذلك الذي يعلّم أن مال الغير مصون، وأن مطل الغني ظلم.**

ما يزال السؤال المطروح على المجلس الأعلى قائماً بكامل قوته، لكنه يفضي الآن إلى سؤال آخر، يحق لكل مواطن أن يطرحه وهو يقرأ هذا الملف:

**إذا لم يكن حكم قضائي نهائي، ورأي صادر عن العلماء، وأمر مكتوب من رئاسة الجمهورية، كافياً لإجبار جهة عمومية على تسديد دَينها، فما الذي يحمي حقي وحقك وحقوقنا جميعاً؟**

إن تصحيح مسار هذا الملف سيكون، بالنسبة إلى رئيس الجمهورية، أبسط وأوضح دليل على أن كلمته تُلزم إدارته فعلاً.

والفرصة قائمة، وتحمل رقماً: القرار رقم 69/2026.

فما هدمته رسالة يمكن لإرادة أن تصلحه. وهذه الإرادة موجودة، ومكتوبة، ومؤرخة في الأول من يونيو 2020.

ولم يبقَ سوى فرض احترامها.