
خلال سبع سنوات، حصلت موريتانيا من البنك الدولي على تعهدات تفوق ما حصلت عليه طوال ستة عقود. غير أن تقرير الديون الدولية 2026، الصادر يوم الخميس في واشنطن، يدعو إلى النظر أبعد من هذا الرقم الدعائي: كم يدين البلد، ولمن، ومقابل أي نتائج؟
قُدِّم الرقم وكأنه شهادة نجاح. فبين 2019 و2026، تعهّد البنك الدولي بتمويلات لموريتانيا بلغت 1.64 مليار دولار، مقابل 1.63 مليار دولار بين 1960 ويونيو 2019. بعبارة أخرى، تعادل المأمورية الأولى للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وبداية الثانية ما يقارب ستين عاماً من التعاون.
المنحنى واضح. فبعد 22.5 مليون دولار فقط من التعهدات في السنة المالية 2019، تجاوزت التعهدات 290 مليون دولار سنوياً في 2020 و2021، بفعل الاستجابة لجائحة كوفيد-19. ثم تراجعت إلى 92 مليوناً في 2022، قبل أن ترتفع إلى 125 مليوناً في 2023، و271 مليوناً في 2024، ثم رقماً قياسياً قدره 325 مليوناً في 2025. أما السنة الجارية 2026 فقد سجلت حتى الآن 231 مليون دولار.
هذا التسارع مثير للاستغراب، إذ يأتي في الوقت نفسه الذي يحذّر فيه البنك الدولي من مديونية قياسية للدول النامية.
عالم نامٍ أثقل ديوناً من أي وقت مضى
بحسب تقرير الديون الدولية 2026 الصادر عن البنك الدولي، بلغ الدين الخارجي للدول النامية مستوى قياسياً قدره 9,400 مليار دولار في 2025، بزيادة 5.5%، وهي الأسرع منذ 2021.
أما الدول المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، ومنها موريتانيا، فقد ارتفعت ديونها بوتيرة أسرع: +8.1% لتصل إلى 1,300 مليار دولار. ودفعت هذه الدول في المتوسط 8.2% على قروضها الجديدة من الدائنين الخواص، وهو أعلى معدل منذ 1989، و9.4% على سنداتها الجديدة.
وبلغت خدمة ديون الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 1,400 مليار دولار في 2025، في ارتفاع للسنة الخامسة على التوالي. وتلخص هايشان فو، كبيرة الإحصائيين في مجموعة البنك الدولي، الوضع بقولها: «هذه الدول تقترض أكثر، وتدفع أكثر، وفي حالات كثيرة تخصص موارد أقل للتنمية على المدى الطويل».
ويشير التقرير أيضاً إلى فخ خفي: تقلبات أسعار الصرف. فأكثر من ربع الزيادة في الدين العام للدول النامية في 2025 يعود إلى ضعف الدولار، الذي يضخم قيمة الديون المقومة بعملات أخرى. وبالنسبة لعدد من المقترضين بشروط ميسرة، فاق هذا الأثر أصل الدين المسدد، فارتفعت ديونهم رغم مواصلتهم السداد.
ماذا تقول البطاقة القُطرية لموريتانيا؟
في نهاية 2025، بلغ إجمالي الدين الخارجي لموريتانيا 4,607 ملايين دولار، بزيادة 3.5% خلال عام. ويتكون معظمه، أي 4,350 مليوناً، من دين عمومي أو مضمون من الدولة، والباقي، 257 مليوناً، دين قصير الأجل.
الدائن
الرصيد نهاية 2025 (مليون دولار)
الحصة من الدين العمومي
الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي
1,243
29%
مؤسسات متعددة الأطراف أخرى
1,232
28%
المملكة العربية السعودية
646
15%
البنك الدولي (المؤسسة الدولية للتنمية)
531
12%
دائنون ثنائيون آخرون
457
11%
الكويت
239
5%
إجمالي الدين العمومي والمضمون
4,350
100%
المصدر: البنك الدولي، تقرير الديون الدولية 2026، البطاقة القطرية لموريتانيا.
في المقابل، تحسنت المؤشرات. إذ يمثل الدين الخارجي 96% من الصادرات و40% من الدخل القومي الإجمالي، مقابل 164% و48% في المتوسط لأفريقيا جنوب الصحراء. وتستوعب خدمة الدين 8% من عائدات الصادرات، مقابل 15% للمنطقة.
في 2025، جاءت جميع التعهدات الجديدة لموريتانيا من دائنين رسميين، بفائدة 1.5%، على مدى 23 سنة مع فترة سماح 7 سنوات، ولم تقترض نواكشوط أي شيء من الدائنين الخواص. ويصنف تحليل استدامة الدين المشترك بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (يونيو 2026) خطر المديونية الحرجة بأنه «معتدل».
الزوايا المعتمة في حصيلة مُجمَّلة
التعهد ليس صرفاً ولا نتيجة
يذكّر البنك الدولي نفسه بأن مبلغ 3.27 مليار دولار التراكمي ليس تحويلات فورية ولا رصيداً للدين. ففي 31 أغسطس 2026، كانت موريتانيا قد سددت له نحو 788 مليون دولار، ولا تزال مدينة له بـ651 مليوناً. أما الباقي، أي نحو 1.8 مليار، فيضم هبات ومبالغ لم تُصرف أو أُلغيت، إضافة إلى الإعفاءات المحصل عليها في إطار مبادرتي الدول الفقيرة المثقلة بالديون وتخفيف الديون متعددة الأطراف في العقد الأول من الألفية.
هنا تصبح الحصيلة ضبابية. كم صُرف فعلاً من 1.64 مليار دولار المتعهد بها منذ 2019؟ وما حصة الهبات منها؟ وأي المشاريع حققت أهدافها؟ ترد الحكومة بأن التعهدات ليست ديوناً. وهذا صحيح، لكنه لا يقول شيئاً عن فعاليتها.
دين للمؤسسة الدولية للتنمية يرتفع بسرعة
يقدّر التقرير الدين المستحق للمؤسسة الدولية للتنمية بـ531 مليون دولار نهاية 2025، بينما يعلن البنك الدولي 651 مليوناً في 31 أغسطس 2026. وإذا كان الرقمان قابلين للمقارنة، فإن الرصيد يكون قد زاد بنحو 120 مليون دولار في ثمانية أشهر، أي بأكثر من 20%. وبما أن قروض المؤسسة مقومة بحقوق السحب الخاصة، فإن ضعف الدولار يساهم في ذلك على الأرجح، لكن هذه الوتيرة تستحق تفسيراً علنياً.
الميسَّر لا يعني المجاني
فائدة 1.5% على 23 سنة تبقى ديناً واجب السداد. ويضاف خطر الصرف إلى سعر الفائدة: فجزء كبير من الدين الموريتاني مستحق للصندوق العربي وللسعودية والكويت، أو مقوّم بحقوق السحب الخاصة. ويبيّن التقرير أن أثر الصرف تجاوز في 2025 أصل الدين المسدد لدى عدد من المقترضين بشروط ميسرة. وقد تعود الزيادة البالغة 3.5% في الدين الموريتاني خلال 2025 جزئياً إلى هذه الآلية، دون أن توضح ذلك أي بيانات رسمية.
تبعية مركّزة
يمتلك الصندوق العربي والسعودية والكويت مجتمعين قرابة نصف (49%) الدين العمومي الخارجي. يتيح هذا التركّز شروطاً مرنة، لكنه يربط هامش المناورة المالية للبلد بعدد محدود من الشركاء.
مؤشرات أفضل ودين لم يعد ينخفض
لا يزال الدين الخارجي لعام 2025 (4,607 ملايين) أدنى من مستواه في 2015 (4,993 مليوناً)، والمؤشرات في تحسن. لكن هذا التحسن يدين بالكثير لنمو الصادرات المعدنية، والغازية قريباً، أي لتقلبات الأسعار العالمية. ويؤكد صندوق النقد والبنك الدوليان أن الخطر «المعتدل» يبقى معرضاً لصدمات أسعار المواد الأولية، وأن انقلاب الأسعار يكفي لتدهور سريع في مؤشرات تبدو اليوم مطمئنة.
النقاش الحقيقي: المساءلة
موريتانيا ليست في أزمة ديون. فهي تقترض بشروط أيسر بكثير من جيرانها المعرضين للأسواق، ومؤشراتها تبقى دون المتوسط الإقليمي. لكن الرقم القياسي في التعهدات ليس رقماً قياسياً في التنمية.
أحرزت الحكومة تقدماً في الشفافية: نشرات الدين أصبحت فصلية، ولجنة وطنية تدرس كل قرض غير ميسر قبل توقيعه. ويبقى عليها أن تقدم الحساب عن استخدام الأموال. وثمة أربعة أسئلة تستحق جواباً علنياً:
1. ما الحصة التي صُرفت فعلاً من 1.64 مليار دولار المتعهد بها منذ 2019، وما حصة الهبات منها؟
2. لماذا يكون الدين المستحق للمؤسسة الدولية للتنمية قد انتقل من نحو 531 إلى 651 مليون دولار في ثمانية أشهر؟
3. ما النتائج القابلة للقياس التي حققتها المشاريع الكبرى في الصحة والتعليم والمياه والتشغيل؟
4. كيف يحمي البلد نفسه من خطر الصرف ومن تراجع أسعار الحديد والذهب والغاز؟
يكتب البنك الدولي نفسه أن إدارة الدين بمسؤولية تعني منح فرصة للأجيال القادمة. وفي نواكشوط، لن تقاس هذه المسؤولية بحجم المبالغ المحصل عليها، بل بما سيتركه كل دولار مقترض من أثر.