
تستعد الموريتانية للطيران للتخلي عن طائراتها الثلاث من طراز «إمبراير»، أي عن أسطولها الإقليمي بالكامل. وتُقدَّم العملية على أنها مجرد تقييم للأصول، لكنها تبدو في الواقع اعترافاً بفشل رهان أُطلق عام 2018. وحتى الآن، لا تصاحبها أي استراتيجية معلنة ولا أي بديل.
تبحث وزارة التجهيز والنقل عن مكتب مستقل لتقييم طائرتين من طراز E175 وطائرة من طراز ERJ-145LR. ولم يُعلن عن أي سعر أو مشترٍ أو صفقة شراء بديلة. فالبيع لم يتم بعد، لكن التحضير له جارٍ بوضوح.
غير أن القضية الحقيقية تتجاوز ثمن ثلاث طائرات. فقبل تسعة أشهر فقط، ضمنت الدولة قرضاً كان يُفترض أن يعيد هذه الطائرات نفسها إلى الخدمة. ولذلك يجب التساؤل: أي شركة طيران ما زالت موريتانيا تريد تمويلها؟
إجراء أوسع من مجرد تقييم
تتجاوز المهمة تحديد سعر أدنى. فعلى المكتب أن يدقق في الملفات الفنية وملفات صلاحية الطيران، وأن يفحص كل طائرة، وأن يدرس السوق العالمية للطرازين. كما سيقدّر تكاليف ما قبل البيع: إعادة التأهيل، والاعتماد، والتخزين، ونقل الطائرات، أو تفكيكها. ويشمل ذلك أيضاً سيناريو بيعها خردة.
وتوضح الصحافة المتخصصة بقية الإطار. فعلى الخبير أن يحدد قيمة سوقية، وقيمة أساسية، وقيمة بيع سريع. وستكون الشركة هي الطرف المتعاقد، فيما ستشرف لجنة حكومية خاصة على عملية البيع.
وقد أُغلق باب الترشح يوم 2 نوفمبر 2026 عند الساعة الثانية عشرة ظهراً بتوقيت غرينتش، فيما يُفترض أن تستغرق المهمة نحو ثمانية أسابيع بعد تعيين المكتب، ما يعني أن النتائج لن تصدر قبل عام 2027.
رهان 2018 لم يفِ بوعوده
في يوليو 2018، وخلال معرض فارنبورو، أعلنت الموريتانية للطيران عن طلبية مؤكدة لطائرتين من طراز E175 بتكوين 76 مقعداً. وقُدّرت قيمة العقد بـ93,8 مليون دولار وفق سعر القائمة. ورأت الإدارة في ذلك تحديثاً للأسطول: استبدال طائرات قديمة واستكمال طائرات حديثة ذات ممر واحد.
وكان الوعد التجاري واضحاً، إذ أعلن المدير العام آنذاك عن زيادة عدد الرحلات وفتح وجهات جديدة. كما أصبحت الشركة أول مشغّل أفريقي لهذا الطراز، وهو ما حرصت «إمبراير» على إبرازه.
لكن الحصيلة التشغيلية أكثر تواضعاً بكثير. فبحسب بيانات التتبع التي نقلتها وسائل إعلام متخصصة، تقبع الطائرة 5T-CLL متوقفة في نواكشوط منذ يوليو 2023، بينما خُزّنت الطائرة 5T-CLO في نيروبي من يوليو 2024 إلى أغسطس 2026.
بيع في قلب أزمة أسطول
يأتي هذا البيع بعد ثلاث سنوات من توفر محدود جداً للطائرات. ففي مايو 2025، لم تعد الشركة تحلّق إلا بطائرة واحدة من طائراتها، وهي «737 ماكس 8»، وأعلن الوزير حينها عن بعثة فنية خاصة. وخلال الصيف، توالت عمليات الاستئجار القصيرة مع الطاقم، وعُلّقت الرحلات إلى برازافيل وليبرفيل.
وفي 21 يناير 2026، صادق مجلس الوزراء على ضمان الدولة لقرض بسقف 700 مليون أوقية، أي نحو 17,7 مليون دولار. وخُصصت الأموال للاستثمار، وكان من المفترض، بحسب المسؤولين، أن تُستخدم خصوصاً في إعادة طائرة «737-700» وطائرة ERJ-145 وطائرتي E175 إلى الخدمة.
وتعزو الشركة توقف طائراتها إلى عمليات صيانة المحركات المكلفة، والنقص العالمي في المحركات الاحتياطية، ومناخ يُنهك الطائرات. غير أن محكمة الحسابات تقدم قراءة أخرى؛ إذ يُشير تقريرها لفترة 2022-2023، على ما يبدو، إلى ديون ضريبية غير مسددة، ومزودي خدمات اختيروا دون مناقصات، وتأخيرات مرتبطة بأسطول سيئ الصيانة.
كم تساوي هذه الطائرات؟ لا أحد يقول بعد
لا توجد أي قيمة حالية معلنة، ولا ينبغي اعتماد مبلغ 93,8 مليون دولار المسجل عام 2018 مرجعاً. فهذا الرقم يمثل سعر القائمة، أي 46,9 مليون دولار للطائرة الواحدة، وليس سعراً مدفوعاً فعلاً ولا قيمة إعادة بيع.
قرار يمكن الدفاع عنه، لكنه لم يُفسَّر بعد
قد يكون البيع مبرراً. فشركة تملك ست طائرات وتشغّل ثلاث عائلات من الطائرات وأربعة أنواع من المحركات تتحمل تعقيداً ثقيلاً قياساً بحجمها. والاقتصار على طائرات «737» وحدها سيبسّط التدريب وقطع الغيار والصيانة. كما أن الاحتفاظ بطائرات متوقفة يكلّف مالاً، في حين تتآكل قيمتها. بل يدور الحديث عن التوجه نحو أسطول مكوّن حصرياً من طائرات «بوينغ».
لكن هذا المنطق يترك عدة مناطق رمادية.
التسلسل يثير التساؤل. فقد ضمنت الدولة في يناير قرضاً قُدّم وسيلةً لإعادة هذه الطائرات إلى التحليق، ثم شُرع في بيعها منذ الخريف. وقد تكون إعادة الطائرة 5T-CLO إلى الخدمة قبل بيعها مناورة ذكية، لأن الطائرة التي تحلّق تُباع بسعر أفضل. لكن لا يذكر أي مصدر حجم ما سُحب من هذا القرض، ولا ما إذا كان قد موّل عودتها.
القدرة التشغيلية في حدها الأدنى أصلاً. فالطائرة 5T-CLO من بين الطائرات الثلاث المُبلّغ عن تحليقها. وفي غياب بديل معلن، سيترك بيعها طائرتين فقط في الخدمة، إضافة إلى طائرة «737-800» بحاجة إلى إصلاح. وقد تعود الشركة حينها إلى عمليات الاستئجار التي لجأت إليها عام 2025، والتي لم تُكشف تكلفتها.
السبب العميق لا يزال قائماً. فطائرات «بوينغ» بدورها تتعرض للتوقف: كانت «737-800» تحلّق في يناير بينما كانت «737-700» متوقفة على الأرض، ثم انعكس الوضع في أكتوبر. وتقليص أنواع الطائرات لن يحل مشكلة تمويل الصيانة، ولا غياب المحركات الاحتياطية، ولا مواطن الضعف الإدارية التي رصدتها محكمة الحسابات.
السابقة الموريتانية تذكّر بالرهانات. فقد نسب رئيس وزراء موريتانيا إلى عمليات بيع طائرات خسائر بنحو 27 مليون دولار تكبدتها «الموريتانية للطيران» بين عامي 2017 و2021. وأدى تحقيق أجرته شركة «كرول» حول إدارة الأسطول إلى إيقاف سبعة من كوادر الشركة. ولا شيء يسمح بإسقاط هذه الوقائع على نواكشوط، لكنها تُظهر الثمن الذي قد يترتب على بيع يفتقر إلى الشفافية.
قبل أي توقيع، ينبغي الإعلان عن إجابات لخمسة أسئلة:
ما هي الاستراتيجية الرسمية للأسطول، وأي الطائرات ستخدم الخطوط الداخلية؟
كيف استُخدم القرض المضمون من الدولة، وما المبلغ الذي سُحب منه؟
هل الطائرات خالية من أي ديون أو رهون؟
هل سيمر البيع عبر منافسة مفتوحة، مع نشر السعر النهائي؟
هل ستُستخدم العائدات لتسديد الديون، أم لتمويل صيانة طائرات «بوينغ»، أم لاقتناء طائرات أخرى؟
من دون هذه الإجابات، قد تقبض موريتانيا شيكاً دون أن تعالج المشكلة التي أبقت طائراتها جاثمة على الأرض.
عناوين بديلة إن أردت نبرة أخرى:
«بيع طائرات إمبراير: هل تتخلى الموريتانية للطيران عن المشكلة أم عن الطائرات فقط؟»
«من فارنبورو إلى المزاد: الموريتانية للطيران تطوي صفحة أسطولها الإقليمي»